08.24.07

زينب

Posted in Me, Thoughts & feelings at 4:59 pm by One in a Million

المكان: في حرم السيدة زينب عليها سلام. دمشق، سوريا.
الزمان: يوماً ما، بعد أذان المغرب.

 

 

بين صلاة المغرب و العشاء، قررت أن أسترق النظر في أرجاء الحرم المطهر و أن أملأ عينيّ بالمشاهد حولي. فهنا رجل 
طاعن في السن قد جلس ليقرأ الزيارة المفجعة و عيناه تسترسلان بالدموع طالباً رحمة ربه، و هناك نساء من شبه القارة 
الهندية قد تحلقن حول مقرئ يتلو عليهن ما جرى على العقيلة في كربلاء.

أخذت نفساً عميقاً لأملأ رئتي بالهواء العليل الذي لا يهب إلا في مشاهد العصمة و الطهارة.
استدرت حولي لتسجل ذاكرتي جميع التفاصيل و لتسجل ذاكرتي أنني قد أديت صلاتي في ليلةٍ صيفيةٍ في إحدى أطهر بقاع الأرض.

و بينما أنا في هذه الحالة الوجدانية، فاجأتني طفلة صغيرة قد تكون ابنة سبع أو ثمان سنوات. حملقت في وجهي و بادرتني 
بالسؤال على استحياء: ” إنتو من البحرين؟”.

سؤالها عادي جداً، بل أصبح سؤالها معتاداً بالنسبة لي في بلاد الشام.
أجبتها بالإيجاب و دار بيننا حديث مقتضب لأكتشف أن الفتاة عراقية أجبرت على العيش مع أهلها في سوريا هرباً من الحمام الدموي العراقي.

كم أهوى الشاعرية في اللهجة العراقية.

قررت أن أقوم بعدها لصلاة العشاء. جلست  الصغيرة بجانبي و لا زالت تنظر إلي بنظراتٍ لم أعرف سرها. نظراتها مختلفة، اختلطت فيها البراءة و الحزن و معانٍ أخرى لم  أكد أصل إليها.
سألت الصغيرة عن اسمها فأجابتني: “زينــب”.
زين أب.. زينب، في حرم السيدة زينب.

لم تفارقني الطفلة فدعوتها إلى الصلاة معي. صلاتي كانت قصراً، و أثار استغرابي أنها صلّت قصراً معي.

بعد التسليم.. لمعت دمعة يتيمة في عينيها و دنت مني و همست في أذني: ” ما عدكم ثياب زيادة؟”

قالتها بصوتٍ خافت لم أكد أسمعه. لم ترد أن تبين لكل من هناك أنها بحاجة إلى ملابس. لم تكن تريد أن يسمعها الناس.
قالتها باستحياء عظيم و رأسها مطرق في الرخام الذي يزين أرضية الحرم.

قلت لها باستفهام و فضول: “ليش؟”

رفعت رأسها إلى السماء و في عينيها ألف نجمة و ألف دمعة.
قالت بصوتٍ كسير.. ” أبويه راح العراق من ست أشهر و لحين ما رجع”.
كادت أن تهرب دمعة حبيسة من عينها لكنها خنقتنها بين مقلتيها.

و عرفت حينها أنها ليست كغيرها من الأطفال هناك.
لم تكن تشحذ المال أو الملابس من غيرها بعلانية. لم تكن تتبع الزوار و تمد يد الحاجة لهم.
استغرقت وقتاً طويلاً حتى يخرج السؤال من بين شفتيها.

كم هو مرٌ الفقر، و كم هي صعبة الحاجة.
و كم هو قاسٍ هذا العالم الذي لا يُنصف الصغيرة زينب.

مسحت رأسها الصغير بسرعة و أنا أفكر في قرارة نفسي.. كيف سيرجع والدها؟ متى سيعود؟ بل هل سيعود أبداً؟

هناك ألف ألف زينب بيننا.. لكننا لا ندرك ذلك.
زينب ضاعت وسط الزحام و معها ضاعت آخر ذرات إيماني بهذا العالم.

 

 

 


11 Comments »

  1. maitham said,

    August 25, 2007 at 2:51 pm

    you made me cry !

  2. JeSs said,

    August 27, 2007 at 10:33 pm

    I had goose pumps when I read ur story ..

    I felt guilty for her ..

    I can’t comment further

    Well written ! Excellent

  3. أنمار said,

    August 29, 2007 at 8:08 am

    حسين بالحزن و أنا بأقرا إللي بتكتبيه
    فعلاً العالم ياما و ياما ظلم ناس و أطفال كتير
    الإحساس بالغير نادر و بالذات في العالم العربي
    و الصدقة من خير ما حث عليه الإسلام و رسولنا محمد صلّى الله عليه و سلم
    الله يجزيك خير و إن كنتي سويتي عمرة أسأل الله إنو يتقبلها و يزيدك حسنات فوق حسنات
    و السلام عليكم

  4. أنمار said,

    August 29, 2007 at 8:09 am

    آسف
    حسيت*

    و على فكرة
    مرحبابكم في بلدنا السعودية
    لو تنزلو جدة كمان تتمشو يكون أحلا و أحلا
    سلام

  5. ammaro.com said,

    August 30, 2007 at 8:22 am

    it does hurt, but its true; there are Zainab’s like her all over the world, and even for them, its difficult to reach out and ask for help. We need to look around us, give out a helping hand whenever we can, and at least try to give people like her a little ray of light, in a cruel cruel world..

  6. One in a Million said,

    September 7, 2007 at 1:35 am

    Maitham & JeSs
    thanks you guys.

    أنمار
    للأسف أصبحنا منغمسين في عالم الماديات و هذا الشي أصبح يشوش أحاسيسنا و خصوصاً إحساسنا بالغير.
    صرنا فاقدين الإحساس.
    شكراً على الدعوة الطيبة
    و ادعي لي أروح الحج إن شاءالله

    ammaro
    That is so true. We should reach out for them before they ask for help.
    It’s one tough world we’re living in.

  7. Global Voices Online » Bahrain: An Encounter with an Iraqi Girl in Syria said,

    September 12, 2007 at 5:11 am

    [...] blogger One in a Million (Ar) was in Syria recently, where she met an Iraqi girl, which gave her a lot of food for thought [...]

  8. Thaqalain Mahdi said,

    September 12, 2007 at 11:44 am

    We have numerous other Zeinabs in the deserts of Iraq, burning Baghdad, Ba`quba, Basra, Najaf still in que and even they can’t afford to reach and live in Syrian Iraq.
    Syria was the only arab country who has allowed some shiites to settle , but even they have changed visa rules to stay.

  9. Yagoob's Dome said,

    September 15, 2007 at 12:59 am

    شيء مؤسف حقاً
    دعواتنا لزينب الصغيرة و عودة ابوها بالسلامة في هذا الشهر الكريم

    ما ابشع الإحساس بأن يكون المرء مكتوف الأيدي في مثل هذه المواقف و لا يمكنه مد يد العون و دعم اخوانه المسلمون

  10. flymenian said,

    September 20, 2007 at 12:39 pm

    I really feel sorry for the girl, but What to do it is life and I feel not in the mode to talk politics especially when I know that there is a child starving without cloths out there who is not only a kid but a kid who I might share blood with and more than that.

  11. One in a Million said,

    September 21, 2007 at 3:41 pm

    Thaqalain Mahdi
    There will always be a Zainab around us as long as the world treats its citizens based on their religious or ethnic backgrounds. It’s sad, but very true.

    Yagoob
    حقاً.. مؤسف جداً أن ترى إنساناً محتاجاً و لا تستطيع أن تمد له يد العون إلا بالدعاء

    flymenian
    Thanks for sharing your thoughts.

Leave a Comment

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image